سيد محمد طنطاوي
291
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله : * ( بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُه أَيْدِيكُمْ ورِماحُكُمْ ) * هو موضع الاختبار و * ( مِنَ ) * في قوله * ( مِنَ الصَّيْدِ ) * لبيان الجنس . أو التبعيض ، لأن المراد صيد البر دون البحر ، وصيد الإحرام دون صيد الإحلال . ومعنى * ( تَنالُه أَيْدِيكُمْ ورِماحُكُمْ ) * تستطيع أيديكم أن تأخذ هذا الصيد بسهولة ويسر إذا كان صغيرا وقريبا منكم ، وتستطيع رماحكم أن تناله إذا كان كبيرا أو بعيدا بعدا نسبيا منكم . وخص الأيدي والرماح بالذكر ، لأن معظم التصرفات التي تتعلق بالصيد تكون بالأيدي ، ولأن معظم الآلات التي تستعمل في الصيد تكون الرماح . وقوله : * ( لِيَعْلَمَ اللَّه مَنْ يَخافُه بِالْغَيْبِ ) * تعليل قصد به بيان الحكمة من وراء الابتلاء والاختبار . والمراد بالعلم في قوله : * ( لِيَعْلَمَ اللَّه . . ) * إظهار ما علمه أزلا من أهل طاعته ومعصيته ، حتى يتميز الخبيث من الطيب . والمعنى : اختبرناكم أيها المؤمنون بنوع من البلايا - وهو تحريم صيد البر صغارا وكبارا - وأنتم محرمون أو في الحرم ، ليظهر ما علمه أزلا - سبحانه - من أهل طاعته ومعصيته ، وبذلك يتميز للناس الخبيث من الطيب ، ويعرف الشخص الذي يخاف اللَّه ويراقبه - مع أنه لم ير اللَّه - سبحانه - من الشخص الذي لا يخافه بالغيب . قال الجمل : وقوله * ( بِالْغَيْبِ ) * حال من فاعل يخافه ، أي : يخاف اللَّه حالة كونه غائبا عن اللَّه ومعنى كون العبد غائبا عن اللَّه ، أنه لم ير اللَّه تعالى . أو حال من المفعول . أي : يخاف اللَّه حال كونه - تعالى - ملتبسا بالغيب عن العبد ، أي غير مرئى له « 1 » . وقوله : * ( فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَه عَذابٌ أَلِيمٌ ) * بيان لسوء عاقبة المخالف لأوامر اللَّه ، والمتجاوز لحدوده . واسم الإشارة * ( ذلِكَ ) * يعود إلى ما بينه - سبحانه - لعباده من أحكام . والمعنى : لقد اختبرناكم - أيها المؤمنون - بما اختبرناكم به ، ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه ، فمن تعدى منكم حدود اللَّه بعد هذا البيان والإعلام ، فله عذاب شديد الآلام عظيم الإهانة ، لأن التعدي بعد الإنذار ، دليل على عدم المبالاة بأوامر اللَّه ومن لم يبال بأوامر اللَّه ساءت عاقبته وقبح مصيره . هذا ، ولقد نجحت الأمة الإسلامية وخصوصا سلفها الصالح في هذا الاختبار فقد
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 524 .